أحمد بن علي القلقشندي

288

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الجملة الثامنة ( في ترتيب هذه المملكة ) أما جلوس السّلطان في قصره فإنه يجلس على مصطبة كبيرة ، على دكَّة كبيرة من آبنوس ، كالتخت على قدر المجلس العظيم المتسع ، عليها أنياب الفيلة في جميع جوانبها ، الناب إلى الناب ، وعنده سلاح له من ذهب كلَّه : سيف ، ومزراق ، وقوس ، وتركاش ، ونشّاب ، وعليه سراويل كبير ، مفصّل من نحو عشرين نصفية ، لا يلبس مثله أحد منهم ، بل هو من خصوصيته ، ويقف خلفه نحو ثلاثين مملوكا من التّرك وغيرهم ممن تبتاع له من مصر ، بيد واحد منهم جتر من حرير عليه قبّة ، وطائر من ذهب صفة بازي يحمل على يساره ، وأمراؤه جلوس حوله يمينا وشمالا ، ثم دونهم أعيان من فرسان عسكره جلوس ، وبين يديه شخص يغنّي له وهو سيّافه ، وآخر سفير بينه وبين الناس يسمّى الشاعر ، وتنهى إليه الشّكاوى والمظالم فيفصلها بنفسه ، ولا يكتب شيئا في الغالب ، بل يأمر بالقول بلسانه ، وحوله أناس بأيديهم طبول يدقّون بها ، وأناس يرقصون وهو يضحك منهم ، وخلفه صنجقان منشوران ، وأمامه فرسان مشدودان محصّلان لركوبه متى أحبّ ، ومن عطس في مجلسه ضرب ضربا مؤلما ، لا يسامح أحد في مثل ذلك ، فإن بغت أحدا منهم العطاس ، انبطح في الأرض وعطس حتّى لا يعلم به . أما الملك فإنه إذا عطس ضرب الحاضرون بأيديهم على صدورهم . ولا يدخل أحد دار السلطان منتعلا كائنا من كان ، ومن لم يخلع نعليه قتل بلا عفو : عامدا كان أو ساهيا ، وإذا قدم عليه أحد من أمرائه أو غيرهم ، وقف أمامه زمانا ، ثم يومى القادم بيده اليمنى مثل من يضرب الجوك ببلاد توران وإيران من بلاد المشرق . وصفة ذلك أن يكشف مقدّم رأسه ويرفع الذي يضرب الجوك يده اليمنى إلى قريب أذنه ، ثم يضعها وهي قائمة منتصبة ، ويلقيها بيده اليسرى فوق فخذه ، واليد اليسرى مبسوطة الكفّ لتلقي مرفق اليمنى مبسوطة الكف مضمومة الأصابع بعضها إلى جانب بعض كالمشط ، تماسّ شحمة الأذن . قال ابن أمير حاجب : وقد رأيت هذا عند خدمتهم للسلطان « موسى » لما قدم الديار المصرية . فإذا أنعم على أحد بإنعام أو وعده وعدا